استمعت الى بودكاست من موقع البي بي سي الى سلسلة من الحلقات حول قضية بريطانية شهيرة هي قضية ماك ليبل… والتي اعتبرها نموذجاً باهراً لتحول القانون من أداة سلطة إلى فضاء مقاومة مدنية فعالة. ويمكن القول إلى أن قضية ماك – ليبل McLibel، أو ماكدونالدز ضد ستيل وموريس (McDonald’s Corporation v Steel & Morris [1997] EWHC 366 (QB))، تعد من أبرز القضايا التي شكلت علامة فارقة في تاريخ القضاء البريطاني الحديث، إذ تجاوزت كونها دعوى تشهير بين شركة متعددة الجنسيات وناشطين بيئيين، لتغدو منعطفاً في النقاش القانوني حول حرية التعبير، والعدالة الإجرائية، والمساءلة المؤسسية. وكما ذكرت استحضرتُ هذه القضية عقب استماعي إلى سلسلة من حلقات البودكاست التي بثتها هيئة الإذاعة البريطانية الـ (BBC)، تناولت خلفيات أطول محاكمة شهدتها بريطانيا في تسعينيات القرن العشرين، لما تمثله من حالة فريدة تكشف عن حدود سلطة الشركات الكبرى، وعن قدرة الأفراد على تحريك النقاش القانوني والاجتماعي رغم ضعف إمكاناتهم المادية.
بدأت وقائع تلك القضية عام 1986 عندما وزع الناشطان البريطانيان هيلين ستيل وديف موريس منشوراً باسم مجموعة السلام الأخضر Greenpeace London، تضمن انتقادات لسياسات شركة ماكدونالدز، واتهمها بممارسات تضر بالبيئة، وتنتهك حقوق العمال، وتروج لأطعمة غير صحية. وفي عام 1990، رفعت الشركة دعوى تشهير أمام المحكمة العليا ضدهما، في واحدة من أكثر القضايا التي أبرزت عدم التكافؤ البنيوي بين الأطراف المتقاضية: شركة عالمية تمتلك موارد ضخمة سخرت جزءاً منها للمعركة القانونية في مواجهة ناشطين متطوعين يفتقران إلى الدعم القانوني أو المالي. اضطر ستيل وموريس إلى تمثيل نفسيهما أمام القضاء، واستمرت المحاكمة أكثر من 314 يوماً على مدى سبع سنوات، لتصبح الأطول في التاريخ القضائي البريطاني.
وعلى الرغم من أن دعاوى التشهير في النظام القانوني الإنجليزي تُنظر تقليدياً أمام هيئة محلفين، فإن قضية ماكدونالدز ضد ستيل وموريس نُظرت أمام قاضٍ منفرد دون محلفين. ويعود ذلك إلى عدة أسباب إجرائية وموضوعية، تتصل بطبيعة القضية وتعقيدها الاستثنائي. وقد رأى القضاء البريطاني آنذاك أن تشعب الاتهامات وطبيعة الأدلة المعروضة—والتي امتدت لتغطي قضايا بيئية، وصحية، وإعلانية، ونقابية، ومالية—تجعل من غير العملي عرضها على هيئة محلفين غير متخصصة، خصوصاً وأن المحاكمة استغرقت أكثر من ثلاثمئة يوم من الجلسات كما ذكرنا وتضمنت آلاف الصفحات من المستندات والشهادات الفنية. فوجود محلفين في قضية بهذا الحجم كان سيُثقل العملية القضائية، وربما يؤدي إلى ارتباك في فهم الوقائع القانونية المعقدة. لذلك، قررت المحكمة أن تنظر الدعوى بواسطة قاضٍ مهني (Mr Justice Bell) دون مشاركة هيئة محلفين، وهو إجراء مسموح به في القضايا المدنية المعقدة وفق القانون الإجرائي المدني البريطاني الذي يمنح القاضي سلطة استبعاد هيئة المحلفين إذا قدر أن القضية “تتضمن مسائل معقدة من الوقائع أو القانون تجعل نظرها من قبل محلفين غير مناسب”.
أما من الناحية المؤسسية، فقد مثلت هذه الخطوة تعبيراً عن اتجاه متنامٍ في القضاء البريطاني آنذاك لتقليص دور المحلفين في القضايا المدنية، وخاصة دعاوى التشهير (libel and slander). فمنذ تعديل قانون المحاكم العليا عام 1981 (Senior Courts Act 1981)، أصبح اللجوء إلى هيئة المحلفين في القضايا المدنية “اختيارياً” ويُستثنى عندما يرى القاضي أن تعقيد الأدلة يجعل نظرها من قبل هيئة غير متخصصة غير عملي. وقد اعتُبر هذا النهج وسيلة لتسريع المحاكمات وضمان اتساق الأحكام القانونية، لكنه في الوقت ذاته أضعف الطابع الشعبي للعدالة المدنية الذي كان يُعد أحد ركائز النظام الأنجلوسكسوني. ومن زاوية حقوقية لاحقة، انتُقد هذا الإجراء أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتباره أحد مظاهر عدم التكافؤ الإجرائي في قضية McLibel. فقد رأى الدفاع أن محاكمة مدعى عليهما غير مُمثلين قانونياً أمام قاضٍ محترف دون هيئة محلفين حرمتهما من أحد أوجه الضمان الشعبي للعدالة. ومع أن المحكمة الأوروبية لم تعتبر غياب هيئة المحلفين انتهاكاً بحد ذاته، فإنها ربطته بمجمل العوامل التي أخلت بالتوازن الإجرائي، ومنها حرمانهما من المساعدة القانونية المجانية وطول المحاكمة وتعقيدها، لتخلص إلى أن “النظام برمته لم يكن متكافئاً أو منصفاً بالمعنى الوارد في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”.
ويمكن القول إن غياب هيئة المحلفين في القضية محل الدراسة لم يكن مخالفة قانونية، لكنه كان انعكاساً لميل القضاء البريطاني نحو الاحتراف القانوني على حساب المشاركة المجتمعية في إصدار الأحكام، وهو ما جعلها نموذجاً بارزاً للمقارنة بين “العدالة التقنية” و”العدالة التشاركية”.
وفي عام 1997، أصدر القاضي بِل حكمه الذي مثل انتصاراً جزئياً لكلا الطرفين، حيث تناول الادعاءات الواردة في المنشور بنداً بنداً، محدداً ما ثبتت صحته وما لم يثبت بدليل كافٍ. فقد اعتبر أن بعض المزاعم، مثل اتهام ماكدونالدز بتدمير الغابات المطيرة أو التسبب بالمجاعات في دول الجنوب أو ممارسة استغلالٍ ممنهج للعمال، لم تدعمها أدلة كافية وتشكل تشهيراً بالمعنى القانوني، كما رفض الادعاءات التي تحدثت عن تورط الشركة في ممارسات مالية أو ضريبية غير قانونية، أو انتهاكها لقوانين الرفق بالحيوان بصورة منهجية. ومع ذلك، أقر القاضي بصحة عدد من الانتقادات الجوهرية التي وجهها المنشور، وفي مقدمتها استهداف الشركة للأطفال في حملاتها الإعلانية واستغلالها ضعفهم النفسي لتشجيعهم على استهلاك منتجاتها، إضافة إلى المساهمة في نشر أنماط غذائية غير صحية بسبب ارتفاع نسب الدهون والملح في منتجاتها، وعدم تقديمها معلومات كافية عن المخاطر الصحية المترتبة على استهلاكها. كما أشار الحكم إلى وجود أدلة جزئية على تضييق الشركة في بعض الفروع على النشاط النقابي، واعتبر أن بعض ممارساتها الإعلانية تضمنت عناصر من التضليل، إذ قدمت نفسها بصورة أكثر التزاماً بالمسؤولية الاجتماعية مما هي عليه في الواقع. وهكذا جاء الحكم ليعبر عن مقاربة متوازنة: فقد رُفضت الادعاءات التي تجاوزت الوقائع المثبتة قانونياً، لكن المحكمة أقرت في المقابل بمسؤولية الشركة عن عدد من الممارسات التجارية غير الأخلاقية. وقد لخص القاضي موقفه بعبارة دقيقة حين قال إن الشركة “لم تكن خيرة كما تزعم، ولا شريرة كما صورها المنشور”، في إشارة إلى الطبيعة المركبة للقضية التي تجاوزت ثنائية النصر والهزيمة.
من الناحية القانونية، عكست القضية تطبيقاً صارماً لمبدأ الدفاع بالتبرير أو بالصدق (Defense of justification) أو الدفاع القائم على الحقيقة (Defense based on truth) في دعاوى التشهير، إذ أكدت المحكمة أن الصدق الجزئي في الادعاءات لا يكفي لدرء المسؤولية إلا بقدر ما يغطي جوهر الاتهام بأكمله. أما من الناحية الاجتماعية، فقد شكلت هذه النتيجة نقطة تحول في العلاقة بين حرية النقد العام وحماية السمعة التجارية، وأعادت إلى الواجهة سؤال التوازن بين حرية التعبير والمساءلة المؤسسية.
وبعد انتهاء الإجراءات في بريطانيا، لجأ الناشطان إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Steel & Morris v United Kingdom (2005) EMLR 314، محتجين بانتهاك حقهما في محاكمة عادلة وحرية التعبير بموجب المادتين 6 و10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وفي عام 2005، قضت المحكمة الأوروبية لصالحهما، معتبرةً أن طول وتعقيد المحاكمة، وحرمان المدعى عليهما من المساعدة القانونية، أخلا بمبدأ المساواة في الوسائل وأضعفا فرص الدفاع. كما رأت المحكمة أن القانون البريطاني للتشهير لم يحقق التوازن المطلوب بين حماية السمعة وصون حرية التعبير، وألزمت الحكومة البريطانية بدفع تعويض قدره 57 ألف جنيه استرليني. وقد شكل هذا الحكم سابقةً مهمة في فقه القضاء الأوروبي، وأعاد طرح الأسئلة حول ضرورة تعديل القوانين الوطنية بما يضمن عدالة الوصول إلى القضاء.
أفضت تداعيات هذه القضية البارزة إلى مراجعة جوهرية في قانون التشهير البريطاني، تُوجت بإصدار قانون التشهير لعام 2013 (Defamation Act 2013) الذي وضع معايير أكثر صرامة لقبول الدعاوى، وأكد أن على الشركات الكبرى إثبات الضرر الجسيم قبل رفع قضايا التشهير. كما مثلت القضية مرجعاً رئيسياً في الدراسات القانونية والإعلامية التي تبحث في التقاطع بين حرية التعبير، والمساءلة المجتمعية، وحقوق الشركات متعددة الجنسيات، وأسهمت في تعزيز الوعي بأهمية المساعدة القانونية العامة كضمانة للعدالة الإجرائية.
وفي الختام أقول تكشف هذه القضية البارزة إن العدالة ليست بالضرورة نتاج موازين القوة المادية، بل ثمرة الإصرار على المبدأ والإيمان بجدوى القانون كأداة للمساءلة لا كدرعٍ للسلطة. لقد استطاع ناشطان محدودا الموارد أن يفتحا نقاشاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً ربما تجاوز حدود الوطن حول حدود نفوذ الشركات الكبرى، وأن يُسهما في تعديل تشريعي عزز من مكانة حرية التعبير في النظام البريطاني. إنها تذكير بأن القانون ليس حكراً على الأقوياء، وأن الفعل المدني المتزن قادر على تحويل المواجهة القانونية إلى لحظة وعيٍ جماعي تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن، والمؤسسة، والدولة.